الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فصلت كما فصلت جملة سُبْحانَهُ ، فبعد أن استدل على إبطال قولهم ، سجل عليهم أنهم لا حجة لهم في قولهم ذلك . و إِنْ حرف نفي . و مِنْ مزيدة لتأكيد النفي بالاستغراق ، أي استغراق نفي جميع أنواع الحجة قويّها وضعيفها ، عقليّها وشرعيّها . و ( عند ) هنا مستعملة مجازا . شبّه وجود الحجة للمحتج بالكون في مكانه ، والمعنى : لا حجّة لكم . و سُلْطانٍ محله رفع بالابتداء ، وخبره عِنْدَكُمْ واشتغل آخر المبتدأ عن الضمة بكسرة حرف الجر الزائدة . والسلطان : البرهان والحجة ، لأنه يكسب المستدل به سلطة على مخالفه ومجادله . وقد تقدم عند قوله تعالى : ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ في سورة الأعراف [ 71 ] . والباء للملابسة ، وهي في موضع صفة ل سُلْطانٍ ، أي سلطان ملابس لهذا . والإشارة إلى المقول . والمعنى : لا حجة لكم تصاحب مقولكم بأن اللّه اتخذ ولدا . وجملة : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ جواب ثالث ناشئ عن الجوابين لأنهم لما أبطل قولهم بالحجة . ونفي أن تكون لهم على قولهم حجة كانوا أحرياء بالتوبيخ والتشنيع بأنهم يجترئون على جناب اللّه فيصفون اللّه بما لا يعلمون ، أي بما لا يوقنون به ، ولكونها جوابا فصلت . فالاستفهام مستعمل في التوبيخ ، لأن المذكور بعده شيء ذميم ، واجتراء عظيم وجهل كبير مركب . [ 69 ، 70 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 69 إلى 70 ] قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) استئناف افتتح بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لتنبيه السامعين إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب تبليغه ، وذلك أن المقول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا : اتخذ اللّه ولدا ، على مقالتهم تلك ، وعلى أمثالها كقولهم : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [ الأنعام : 139 ] وقولهم : ما كان لآلهتهم من الحرث والأنعام لا يصل إلى اللّه وما كان للّه من ذلك يصل إلى آلهتهم ، وقولهم : لَنْ